علي بن أحمد المهائمي

505

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الدم أخذ الفدية أو العفو ؟ ) ، فلم يرجح فيه الغيرة بل رجح الفدية عليها والعفو عليهما ، ( فإن أبى ) عن الأمرين جميعا ( فحينئذ يقتل ) ؛ لأنه لما تحقق منه الإفساد مرة ، ولم يكن له زاجر تأكدت مظنة الإفساد في حقّه وحق غيره أيضا ، فيشبه الإفساد العام الذي شرع لأجله الجهاد . ثم أشار إلى ما هو آكد في ترجيح الشفقة على الغيرة ، وهو ترك القصاص لا عفو ، ولا فدية يختارها الولي ابتداء ، بل غاية ما في الباب أن له أخذها عند الناس عن القصاص ، فقال : ( ألا تراه سبحانه ) فيه إشارة إلى أنه عزّ وجل منزه عن ظلم الولي بمنع القصاص ، بل أنه يقدر لعدم تجزي حياة الجاني ، والمفعول الباقي ما يذكر بعد من قوله : كيف يراعي ربه بتعلق قوله : ( إذا كان أولياء الدم جماعة فرضي واحد ) ، ولو صاحب أقل الأنصبة بالدية أو عفا ، وباقي الأولياء ، وإن كانوا أجلة الأنصبة ، ( لا يريدون إلا القتل ) قصاصا ( كيف يراعي ) جانب ( من عفا فنرجحه على من لم يعف ، فلا يقتل قصاصا ) مع وجوبه في حق الأكثر عددا ، والأجل نصيبا مع أن القليل اليسير كالعدم في أكثر الأحكام . ثم أشار إلى أن ترجيح الغيرة على الشفقة في موضع تساوت فيه مظنتاهما غير الإفساد ، فقال : ( ألا تراه عليه السّلام يقول في صاحب النسعة ) حبل عظيم كالحزام ، وهو ما روي : « أن رجلا قتل في عهده عليه السّلام ، فوجد وليه نسعته في يد شخص ، فأراد قتله ، فقال عليه السّلام : ( إن قتله كان مثله ) » « 1 » ، أي : مثل قتل صاحبك ظلما ، إذ لم يترجح في حقه مظنة الجناية . [ ألا تراه تعالى يقول : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، فجعل القصاص سيّئة ، أي يسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعا ، فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشورى : 40 ] ؛ لأنّه على صورته ، فمن عفا عنه ولم يقتله ، فأجره على من هو على صورته ؛ لأنّه أحقّ به إذ أنشأه له ، وما ظهر بالاسم الظّاهر إلّا بوجوده فمن راعاه إنّما يراعي الحقّ وما يذمّ الإنسان لعينه وإنّما يذمّ الفعل منه ، والفعل ليس عينه ، وكلامنا في عينه ، ولا فعل إلّا للّه ؛ ومع هذا ذمّ منها ما ذمّ وحمد ما حمد ، ولسان الذّمّ على جهة الغرض مذموم عند اللّه تعالى ، فلا مذموم إلا ما ذمّه الشّرع ؛ فإن ذمّ الشّرع لحكمة يعلمها اللّه أو من أعلمه اللّه كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النّوع وإرداعا للمتعدّي حدود اللّه فيه وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 179 ] وهم أهل لبّ الشيء الذّين عثروا على سرّ النّواميس الإلهيّة والحكميّة ] . ثم أشار إلى أن ترجيح الغيرة على الشفقة فيما لا يعم فيه الإفساد يشبه السيئة

--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 4 / 170 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 22 / 17 ) .